أرشيف التصنيف: لهجات

1 اللهجاتية العربية والازدواجية اللغوية

لقد صارت نظرتنا إلى ازدواجية اللغة العربية؛ وبالأخص، إلى العلاقة بين الفصحى والدارجة؛ بمثابة الفكرة المسبقة الراسخة في الثقافة السائدة؛ التي توحي بها حتى المسلسلات التاريخية المبثوثة طوال الوقت على القنوات الفضائية، حيث يتخاطب الممثلون في أحاديثهم اليومية العادية بالعربية الفصحى!

فوفقا لهذا التصور الشائع؛ لم يكن العرب يستعملون في العهود القديمة إلا الفصحى. أما الدارجة؛ فلم تكن موجودة. بل ما كان ينبغي لها أن توجد لولا أسباب طارئة استجدت في العصور " المتأخرة " أو " الحديثة ".

ولعل هذا التصور لطبيعة ازدواجية العربية هو الذي ظل، إلى عهد قريب، معتمدا ليس فقط في المخيال الجماعي للشعوب الناطقة بهذه اللغة؛ بل أيضا في أوساط المهتمين والمتخصصين.

لقد نشأت الدارجة، تبعا لهذا الرأي، نتيجة لتضافر عاملين متكاملين:

· تعريب عدة شعوب كانت تتكلم بلغات أخرى، وتأثير هذه اللغات في العربية (مثل الأمازيغية في المغرب، والقبطية في مصر…).

· الخطأ في اللغة، وخاصة في النحو والإعراب.

ولمساءلة هذه الصورة النمطية؛ يطرح هذا الموقع إشكالية الازدواجية اللغوية للعربية؛ سواء في أبعادها النظرية اللسانية والتاريخية والسوسيولسانية؛ أم في انعكاساتها التجريبية على صعيد الوقائع اللسانية والمعطيات التاريخية والاجتماعية.

3. 4 أقسام الدارجة

يقترح علي عبد الواحد وافي تقسيم الدارجة إلى :" خمس مجموعات تشتمل كل مجموعة منها على لهجات متقاربة في أصواتها ومفرداتها وأساليبها وقواعدها، ومتفقة في المؤثرات التي خضعت لها في تطورها "[1].

كما رأينا عند ابن خلدون، تجميع النوعيات في لهجة واحدة يتم وفقا لمعايير داخلية تتعلق باتفاق الخصائص الصوتية والمعجمية والصرفية والنحوية، ولمعايير خارجية تمس تأثير اللغات المجاورة.

· اللهجات الحجازية – النجدية: وتشمل لهجات الحجاز ونجد واليمن،

· اللهجات السورية: وتشمل اللهجات العربية المستخدمة في سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن،

· اللهجات العراقية: وتشمل اللهجات العربية المستعملة في العراق،

· اللهجات المصرية: وتشمل جميع اللهجات العربية المستعملة في مصر والسودان،

· اللهجات المغربية: وتشمل جميع اللهجات العربية المستخدمة في شمال إفريقيا.

لا نستطيع أن نعرف من خلال دراسة الباحث ما هي السمة الطاغية. أهي وجوه الاختلاف؟ أم وجوه الاختلاف؟ حين يقول: " ومع كثرة وجوه الاختلاف بين هذه المجموعات الخمس، فإن المتكلمين بإحداها يستطيعون، مع شيء من الانتباه، أن يفهموا كثيرا من حديث أهل المجموعات الأخرى، لاتفاقها في معظم أصول المفردات والقواعد الأساسية ومنحى الأساليب "[2].

العبارات المتناقضة التي يمكن أن تؤول حسب السياق في اتجاه أو في الاتجاه المعاكس تماما.

إذا كان المتكلمون بدارجة معينة يستطيعون، إلى حد أو آخر، أن يفهموا دارجة أخرى؛ فهذا يعني أننا بصدد لغة واحدة، مهما تكن حدة التنوعات.

ويستكشف الباحث أي الدوارج أقرب إلى الفصحى قائلا: " وأدنى هذه المجموعات إلى العربية الفصحى اللهجات الحجازية والنجدية والمصرية. أما اللهجات النجدية والحجازية، فلنشأتها في المواطن الأصلية للعربية الفصحى، ولأن معظم أهل الحجاز ونجد ينتمون إلى عناصر عربية خالصة. وأما اللهجات المصرية؛ فلأن صراع العربية مع اللسان القبطي الذي كان يتكلم به أهل مصر قبل الفتح العربي لم يكن عنيفا … ومن المقرر أن اللغة التي يتم لها الغلب بدون مقاومة، تخرج من صراعها أقري ما تكون إلى حالتها التي كانت عليها من قبل. هذا إلى أن معظم أهل مصر منحدر من عشائر عربية الأصل "[3].

" وأبعد هذه المجموعات عن العربية الفصحى المجموعتان العراقية والمغربية. أما العراقية؛ فلشدة تأثرها بالآرامية والفارسية والتركية والكردية، حتى أن قسما كبيرا من مفرداتها وبعض قواعدها غير عربي الأصل. ولذلك، يجد المصري مثلا صعوبة في فهم حديث العراقي. وأما المغربية؛ فهي أبعد العاميات جميعا عن العربية الفصحى. ويرجع السبب في ذلك إلى شدة تأثرها باللهجات البربرية التي كان يتكلم بها السكان قبل الفتح العربي. فقد انحرفت من جراء كذلك انحرافا كبيرا عن أصولها الأولى في الأصوات والمفردات وأساليب النطق وفي القواعد نفسها "[4].

من الطرق التي يمكن أن نتباناها لوصف هذه الخصائص المشتركة التي ننسبها إلى العربية اللهجية أو الدارجة النموذجية أن نفترض أن نفس التطور حدث في كل دارجة على حدة ولأسباب مختلفة. الشيء الذي يؤدي إلى اعتماد الاحتمال البعيد، بدلا من الاحتمال القريب والذي مفاده أن هذه الخصائص موروثة عن حالة تاريخية سابقة.

يرجع الباحث كي يجد أن الدوارج المعاصرة " على الرغم من اختلاف هذه اللهجات في ظروفها، فقد تأثرت في بعض النواحي بعوامل متحدة، فاتفقت في طائفة من مظاهر التطور "[5].

ومن أبرز " وجوه الاتفاق " هذا " تجردها من جميع الحركات التي تلحق آخر الكلمات سواء في ذلك ما كان منها علامة إعراب وما كان حركة بناء. فينطق في هذه اللهجات بجميع الكلمات مسكنة الأواخر، وتلتزم بحالة واحدة في الكلمات المعربة بالحروف. ويعتمد في فهم الأمور التي ترشد إليها في العربية الفصحى علامات الإعراب (وظيفة الكلمة، علاقة عناصر العبارة بعضها ببعض، الخ) على سياق الحديث أو على كلمات مستقلة تذكر في الجملة "[6].


[1] – فقه اللغة، وافي ص: 116 – 117.

[2] – فقه اللغة، وافي ص: 117.

[3] – فقه اللغة، وافي ص: 117.

[4] – - فقه اللغة، وافي ص: 117 – 118. يشير الباحث في الهامش إلى أنه قضى بعض الوقت في العراق والمغرب، حيث لم يكن يستطيع التواصل بسهولة، إلا مع المتعلمين الذين يحسنون الفصحى.

[5] – فقه اللغة، وافي 115.

[6] – فقه اللغة، وافي 115.

3. 5 خلاصة: الدارجة النموذجية

إن مقاربة أحمد مختار عمر تسمح لنا، في واقع الأمر، من المقارنة بين الدارجة المصرية والدارجة المغربية، وذلك من حيث طبيعة تأثير اللغات المجاورة في العربية؛ في الحالة الأولى تأثير القبطية في مصر، وفي الحالة الأخيرة تأثير الأمازيغية في المغرب.

تقبل أن نقارن بينها بغية تحديد الخصائص التي تشترك فيها هذه النوعيات، والخصائص التي تختلف فيها كل نوعية عن النوعيات الأخرى. وهذه المقارنة يمكنها من الجانب السكوني أن تتناول الدارجة كما هي في المرحلة الحالية، ولكن في مناطق جغرافية متباينة؛ ومن الجانب التطوري ،كما كانت في مرحلة أو مراحل سابقة.

كما يجوز، من هذا المنظور، أن تكون الخصائص المشتركة راجعة إلى أصل تاريخي واحد تشعبت منه جميع اللهجات المعاصرة للدارجة؛ على حين يجوز أن ترجع الخصائص المختلفة إلى تأثير خارجي من لغة مجاورة، أو إلى تطور داخلي لهذه اللهجة، ظلت بمنأى عنه الدوارج الأخرى.

وتعمم هذه الظاهرة على جميع عناصر الجملة في الدوارج، حيث تسكن أواخرها، طبقا لنوع من الوقف الاضطراري الذي يلجأ إليه المتكلم، لكي يستجمع أفكاره، أو يلتقط أنفاسه…

إن الفرق بين الدارجة والفصحى من هذه الجهة بتعلق بنسبة إعراب الكلمات.

3. 4. 5 القاف

" كتابة القاف كافا، ونطقها نطقا قريبا من الكاف "[1].

" ومن المعروف أن القاف القريبة من الكاف قد انتقلت مع الهلالية وأحلافهم من القيسيين منذ القرن الرابع الهجري إلى أقطار شتى في أفريقية والأندلس. وقد عرف بها عربان أهل البادية في مصر أيام المماليك، حتى كان هؤلاء يطاردون العربان في المعارك ويميزونهم بهذه الكاف. فكان إذا ادعى أحد منهم أنه حضري قيل له قل: دقيق. فإن قالها بالكاف قتل. وإن قالها بالقاف أطلق. وقد تحدث ابن خلدون عن هذه القاف وسماها القاف المعقودة. وعدها من خصائص البدو في الأقطار العربية "[2].

زعموا أن نطق القاف جيما غير معطشة في لغة الصعيد حدث بتأثير النطق القبطي لهذا الصوت[3].

" إبدال القاف همزة في القاهرة وبعض حواضر الوجه البحري. ولذلك أصول قديمة على ما قرره أنوليتمان في بحثه " بقايا اللهجات العربية في الأدب العربي ". وهو موجود في أسماء الأعلام الفينيقية. وقد نقل السيوطي تصوأ بمعنى تصوق (أي توسخ) وذكر الأب أنستاس: أفز بمعنة قفز، واستنشأ بمعنى استنشق. وعلى الرغم من أن مخطوطات دير القديس مكاريوس لا تعبر عن صوت القاف برمز الهمزة فليس في ذلك دليل على عدم حدوث هذا التطور في العصور السحيقة. فإن لغة هذه المخطوطات برغم ما فيها من مسحة عامية خليط من العامية والفصحى. وقد التزم كاتبها في كثير من الأحوال الاتجاه الفصيح مفضلا إياه على الجانب العامي "[4].


[1] 169.

[2] 169.

[3] 132

[4] 176.

3. 5. 4 الجيم

قيل إن العربية الصعيدية تنطق صوت الجيم بقيمته الصوتية القبطية. فهي تنطقه " j "، كما ينطق في اللغة القبطية، وبصورة مختلفة عن نطقه في كل الأقطار الأخرى المتكلمة بالعربية[1].

" نطق الجيم الموجود بين عامة الصعيد يعكس أثؤا بدويا لا أثرا قبطيا "[2].

وقيل أيضا أن نطق القاهريين للجيم قد نشأ في ظل نفوذ قبطي.


[1] 132

[2] 132

3. 5. 3 الذال

" كتابة الذال دالا، ونطقها كذلك "[1]. مما ورد من ذلك: " إدا " بدلا من " إذا "؛ و " أخد "، بدلا من " أخذ " …

" ومن المعروف أن اللغة الآرامية التي كانت ذات تأثير بالغ في كثير من لهجات العرب قبل الإسلام وبعده كانت تبدل الذال دالا بصفة مطردة. ومن المعروف كذلك أن بني ربيعة كانوا يبذلون الدال ذالا في بعض الألفاظ "[2].


[1] 170.

[2] " من أصول اللهجات العربية في السودان "، عبد المجيد عابدين. ص: 49. نص عليه ص: 170.

3. 5. 2 الثاء

يلاحظ الباحث "حلول التاء محل الثاء "[1]؛ في نحو تلات عوض ثلاث، و" اتنعشر " عوض اثنا عشر، و " تعلب " محل " ثعلب ".

" ويروى أن عرب خيبر كانوا ينطقون التاء عوضا عن الثاء "[2].


[1] 169.

[2] " من أصول اللهجات العربية في السودان "، عبد المجيد عابدين. ص: 45 و46. نص عليه ص: 170.

3. 5. 1 إهمال الهمزة بالكلية

من الخصائص التي تميز الدارجة المصرية عن العربية الفصحى عند أحمد مختار عمر إهمال الهمزة بالكلية؛ حيث نجد مثلا: " جاني " بدلا من " جاءني "، و" شي " بدلا من " شيء ".

3. 5 الخصائص الصوتية للدارجة

" نحن نتصور أن نطق القبطي للغة العربية لم يتخذ في يوم ما مقياسا للغة الحديث. ولم يقبل كنموذج للصواب اللغوي. والسؤال الآن: هل تركت اللغة القبطية أي آثار على الناحية الصوتية للغة الحديث بحيث صارت هذه الآثار حقيقة مسلما بها. ودخلت لغة التخاطب العامة. وأصبحت لا تثير انتباه المتكلمين. ولا يشعر بغرابتها أو شذوذها السامعون "[1].


[1] 131

3. 4. 7 جلبية

" كلمة جلبية المحرفة عن جلباب ".[1]


[1] 177.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.